المسرح والسّياسة: من مسرح برشت، وسعد الله ونوس
كتبهاprof ، في 3 يناير 2009 الساعة: 22:47 م
يوسف الطالبي
لا محيد للفعل الثقافي، من أجل عرض الأفكار ونشرها، عن المؤسسة (البنية التحتية) التي تدخل ضمن اشتغالات الحكم وسلطته، ولا مندوحة للمبدع عن خلفية فكرية تحكم توجهه، وهو ما يعني موقفه من (أدلوجة) الدولة، على حد تعبير عبد الله العروي، والتي تحدد بالتالي لونه السياسي. ومن ثمة فإن العلاقة القائمة بين الإبداع عموما، والسلطة السياسية تحديدا، موغلة في القدم، وقد عرفتها مختلف الثقافات كإشكالية صدامية، تتردد بين الإقبال والإدبار، وتتأرجح بين التبعية والانفصال. وبين التوافق أو المواجهة التي تحكم علاقة الفني بالسياسي، استمر الجدال والصراع إلى اليوم وعلى طول التاريخ.[1]. لذلك و”برغم الانطباع الأولي الذي يوحي به موضوع العلاقة بين الأدب والسياسة، من أنه موضوع مطروق “مستهلك” فإنه يظل محتاجا إلى التحليل وإعادة النظر”[2]. وهو ما سنحاول ملامسته في هذه المقاربة.
إن الفن الكبير يخدم أهدافا كبرى. وأحد الأسس التي يرتكز عليها فهمنا للفن، هو ذلك الرأي الذي يعتقد أن الفن العظيم، يؤثر بصورة طبيعية ومباشرة من الشعور إلى الشعور[3]. والمسرح الهادف، أو مسرح الأطروحة (Théâtre à thèse)، هو الذي يرصد تحرك الشارع، وينقل نبض الجماهير الشعبية، ويترجمها أفكارا صارخة، تبسط على الخشبة، لتسلط عليها الأضواء الكاشفة، من أجل الملاحظة الثاقبة، والنقد اللاذع، والمناقشة الساخنة، في أفق البحث عن مخرج لأزمة قد تطول كلما تمكن الخوف من الإنسان، وغزا الصمت الأماكن القصية المعتمة. بهذا المعنى الإيتمولوجي (Etymologie) يمكن اعتبار كل مسرح عملا سياسيا، أو كما يقول أوجستو بول (Augusto boal) “كل مسرح هو سياسي بالضرورة، لأن كل أنشطة الإنسان سياسية، والمسرح واحد من هذه الأنشطة، وأولئك الذين يحاولون فصل المسرح عن السياسة يحاولون تضليلنا، وهذا نفسه موقف سياسي”[4]. فالمسرح السياسي (Théâtre politique) إذن يقوم على الرغبة في انتصار نظرية مرتبطة باعتقاد اجتماعي، في أفق تحقيق مشروع فلسفي طموح، ليغدو علم الجمال خاضعا للمعركة السياسية، بانصهار الشكل المسرحي داخل جدل الأفكار[5].
إن النص المسرحي في نماذجه الجادة والجيدة، نص مشكوك فيه رسميا. لأنه مشاكس، معاند، مشاغب، وغير منضبط، أو بكلمة واحدة “نص فضولي” يمارس هجاء الواقع.. إنه نص للتعرية وتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية[6]، حيث يرى بسكاتور (Piscator) أننا نعيش في حقبة تغلي بالمتغيرات السياسية، ولهذا فإن “السياسة” تحتل المستوى الأول من الاهتمام. من هنا علينا ألا نطلب من المسرح شيئا آخر غير السياسة[7]، ما دامت هناك صلة قوية “بين الأدب المسرحي والسياسية فهي في داخله في تكوينه ملتصقة به، وهو ملتحم فيها لا ملحق بها لا مجال للفصل بينهما، وحدتهما الحياة التي ينتميان إليها، ويشكلان خلاصة من أهم خلاصاتها”[8].
فعلى المسرح –انطلاقا من وعيه بحقيقة الصراعات الدائرة- أن يفضح ويكشف طبيعة تلك الصراعات، عليه أن يستفز الجمهور، ويعلمه، وهو يعرض عليه أوضاعه بكثير من التحليل من أجل تنويره. ومن ثمة تحفيزه على العمل لتغيير قدره. إنه مسرح القلق والغضب، مسرح لا مجال فيه للراحة والانفراج، بل هدفه التصعيد حد الضيق والاحتقان. “وكم هو دقيق وشفاف الخيط الفاصل بين خاتمة تشحن وأخرى تفرغ.”[9]، وهو ما يحدد اختيار الفنان المسرحي وتوجهه نحو سياسة تكرس الوضع القائم، على القمع والقهر والمصادرة والتسلط، أو سياسة تدفع باتجاه التغيير نحو ما هو أفضل. لهذا فالمسرح “السياسي التحريضي هو المسرح الذي يطرح الحالة المراد توصيلها ليتخذ المشاهد موقفا فكريا ومبدئيا من تلك الحالة […] إنه عملية تحريك، عملية نقل إلى حيز الفعل”[10].
ومن ثمة، فالمسرح يتيح للإنسان إمكانية تأمل واقعه ومصيره وردود فعله إزاء الأحداث والوقائع، وتقييمها من أجل الخروج باقتراحات للحياة فكرا وممارسة لذلك، فالمسرح من الفنون التعبيرية، التي عبرت عن الإنسان وقضاياه، منذ زمن سحيق، وما الواقع الذي يصدر عنه إلا نقطة البداية، لتوضيح التناقضات الاجتماعية، التي يأخذ منها عناصر اتهام للمجتمع، وعناصر دعوى إلى التغيير.
ومن التصورات الخلاقة، التي اشتغلت في أطروحاتها على إشكالية العلاقة بين الإبداع والسياسة، وتستند إلى الاعتبارات الفلسفية والجمالية، وتجد مرجعيتها في الماركسية، نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر، جورج لوكاتش، لوسيان كولدمان وبرتولت برشت (Pertolt Brecht)، دون إغفال المحاولات الرائدة، التي دشنها واحد من أبرز أقطاب المسرح العربي، ونعني بذلك سعد الله ونوس، الذي نهضت تجربته على الممارسة المسرحية والوضوح النظري، فهو صاحب موقف تقدمي تغييري، إذ تعتبر مسألة “التسييس” لديه الثيمة (Thème) المهيمنة على مشروعه المسرحي.
في هذه المقاربة إذن، سنعمل على تسليط الضوء على كل من مسرح برتولت برشت، وسعد الله ونوس في علاقتهما بالسياسة.
برتولت برشت: جدلية المسرح والسياسة:
تجدر الإشارة، إلى أن برتولت برشت، رجل مسرح قبل أن يكون رجل سياسة، ولقد حاول جاهدا أن يغير المجتمع، ويحرر الناس من الشقاء، عن طريق مسرح مخصب بلون السياسة. لقد كان “يحمل فضائع هذا العصر في أعصابه، في دمه، ويشعر شعورا جسديا بما في زمانه من فوضى وعفن وفساد”[11]. لهذا فقد نقل قضايا المجتمع وتناقضاته ومصير الإنسان من الشارع إلى الخشبة، وعنده أن “المسرح بدون جمهور شيء لا معنى له”[12]. حيث استهدف تثويره من خلال تعليمه وتوعيته وكشف الواقع، وتعرية التاريخ أمامه، قصد استفزازه للثورة على حاله المتردي، والتصدي عمليا لتغييره[13]. ومن أجل أن تصبح الأحداث الاجتماعية، في الحياة مفهومة، رأى برتولت برشت ضرورة عرض الوسط الاجتماعي أمام المشاهد عرضا واسعا، بكل ما ينطوي عليه هذا الوسط من أهمية[14]. فالمسرح، عنده مدرسة لتنوير المجتمع، وصقل الوعي الإنساني، وتربيته، لكي يصبح هذا المسرح فيما بعد مسرحا سياسيا وثوريا[15]. فهو يرى “أنه لا يحق للمشاهد أن يستسلم عن طريق الاندماج البسيط في العالم النفسي لشخصيات المسرحية، لمعاناتها العاطفية بلا أدنى موقف انتقادي”[16]. إذ على المتلقي، أن يخلق مسافة تسمح له، بالتحكم في الفرحة، وبالتالي تأسيس قراءة نقدية عالمة، بدل التعاطي الاستيهامي الحالم. حيث أن برتولت برشت “لا يريد أن يترك المتفرجون عقولهم مع قبعاتهم قبل دخول المسرح كما يحدث عادة في المسرحيات التقليدية، ولا يريد أن يخرج المتفرج وقد أحس بالراحة والتوازن، بل على العكس يريد أن يقلقه ويدفعه إلى التفكير ومن ثم يفقد توازنه، ليسعى إلى استعادته عن طريق العمل الإيجابي الخلاق”[17].
إن المتأمل في فكر برتولت برشت، ومسرحه الملحمي، يلمس ذلك النزوع الملفت إلى خلق التوتر العالي، لدى المتلقي والتأثير فيه إيجابا، من أجل إقناعه بجدوى الفعل والسعي إلى تكريسه في أفق خلق شروط التغيير، الذي يحفظ للإنسان كرامته ووجوده. من ثمة، فإن الأطروحة المركزية للمسرح الملحمي، تنهض على التغريب والتأرخة والديالكتيك (Dialectique) باعتبارها مرتكزات نظرية، لا محيد عنها من أجل مسرح يخدم الإنسان على مستوى التعليم والتربية والوعي.. لذلك، يرى برتولت برشت، أن خلق هذا الوعي الفعال في المجتمع، لا بد أن يمر “من خلال توضيح المفاهيم والتحليلات الصائبة للتاريخ. إن الحاضر يصبح بعدئذ مغربا كما أن التاريخ يصبح المجال الحيوي لجعل الديالكتيك القانون الرئيسي للتاريخ”[18].
وإذا كان أرسطو في كتابه “فن الشعر” قد اعتمد مفهوم التطهير (Catharsis) محورا لنظريته عن المسرح (الكلاسيكي)، فإن برتولت برشت قد عمل على تقويض هذه النظرية من أساسها، وطرح البديل النظري والعملي، لها من أجل مسرح فاعل غير منفعل، فجاء بمفهوم التغريب (Distantiation)[19].
والتغريب، هو جعل المألوف غريبا، والتوصل إلى تغريب الحادثة أو الشخصية، يعني فقدانها لكل ما هم بديهي ومألوف وواضح، بالإضافة إلى إثارة الدهشة والفضول بسبب الحادثة نفسها[20]. ففي “التغريب” يصبح الاعتيادي والمعروف، ملفتا للانتباه ومفاجئا، والبديهي غامضا. كل ذلك من أجل أن تظهر الأمور مفهومة أكثر، وهذا ما يرمي غليه “تأثير التغريب” أساسا. “إننا نستخدم عادة “تأثير التغريب” عندما نسأل أحدهم: هل نظرت يوما بانتباه إلى ساعتك؟ إن السائل يعرف أني أنظر باستمرار إلى ساعتي، غير أنه بسؤاله قد قضى على اعتيادية الأمر بالنسبة لي، وللسبب ذاته قضى على تصوري للساعة الذي لم يكن ليعني لي شيئا، إنني أنظر إلى الساعة باستمرار لأحدد الوقت، غير أنه عندما أسأل بإلحاح وإصرار عندها أفهم أني لم أنظر إلى الساعة نظرة مليئة بالدهشة، وأنها من نواح عديدة تعتبر ماكنة مدهشة”[21]. إذن فالطبيعي، يجب أن يبدو مدهشا، ومن خلال الاستغراب والدهشة، ينبثق فهم جديد للموقف الإنساني.. ومن أجل الحصول على “تأثير التغريب” حسب برشت “يتعين على الممثل أن ينسى كل ما تعلمه عندما كان يحاول أن يحقق، بواسطة تمثيله الاندماج الانفعالي للجمهور بالشخصيات التي يخلقها، فإذا كان الممثل لا يهدف إلى الوصول بجمهوره إلى حالة من النشوة والوجد، عليه من باب أولى أن لا يقع هو نفسه في مثل هذه الحالة”[22]. بمعنى، أنه عليه أن يترك المسافة قائمة بينه وبين الشخصية التي يمثلها، محاولا في ذات الحين استفزاز المشاهد، وإثارته لإصدار موقف انتقادي اتجاه تلك الشخصية. من هنا، فإن الجدار الرابع الذي هو التحام الصالة بالخشبة يعد مجالا مثمرا للمشاهد، لقطع الصلة بينه وبين الممثل، حيث يقول المشاهد مع نفسه: “لم يخطر على بالي هذا الشيء.. لا يجوز أن يقوم المرء بهذا العمل.. أو.. هذا عجيب وملفت للنظر ولا يمكن تصديقه.. ويجب إيقاف ومنع هذا العمل عند حده.. أو.. أن عذابات هذا الإنسان ومعاناته تهزني، إذ ينبغي أن يوجد لها مخرج أو حل ناجع.. أو.. أنه حقا فن رائع ولا يوجد هنا شيء حاسم وبديهي.. إنني أضحك على الباكين وأبكي على الضاحكين..”[23] فالممثل إذن، يبلور الحدث الصغير، من خلال أهميته ويجعله غريبا ومدهشا..” ويذكر برشت ثلاثة طرق من أجل تجسيد علة التغريب على المسرح:
ـ نقل الدور إلى الشخص الثالث.
ـ الانتقال إلى الماضي.
ـ ربط توجيه التمثيل والتعليقات في الحوار”[24].
إن برتولت برشت، يخدم عملية صقل الوعي، من خلال استخدامه لعملية التغريب، وتأرخة الأحداث، لكي يصبح الإنسان واعيا بأحداث وجوده الاجتماعي، وممارسة النقد من أجل تغيير هذا الوجود للوصول إلى أهداف الثورة الاجتماعية[25]. فبرشت يتناول نصوص التراث المسرحي بالتبديل والتغيير، رغبة منه في إخضاعها للتغريب، وفي العروض المسرحية الملحمية، يلجأ إلى كثير من الوسائل لإحداث التغريب ومن أهمها، شخصية الراوي، الذي يفسر ما هو كائن وما يجب أن يكون[26].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























